فخر الدين الرازي

159

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

التكليف رجع إليهم من طاعتهم خير كثير ، فكأنه تعالى قال للرسول عليه الصلاة والسلام : حرضهم على الجهاد ، فإن لم يقبلوا قولك لم يكن من عصيانهم عتاب لك ، وإن أطاعوك حصل لك من طاعتهم أعظم الثواب ، فكان هذا ترغيبا من اللَّه لرسوله في أن يجتهد في تحريض الأمة على الجهاد ، والسبب في أنه عليه الصلاة والسلام كان يرجع اليه عند طاعتهم أجر عظيم ، وما كان يرجع اليه من معصيتهم شيء من الوزر ، هو أنه عليه السلام بذل الجهد في ترغيبهم في الطاعة وما رغبهم البتة في المعصية ، فلا جرم يرجع اليه من طاعتهم أجر ولا يرجع اليه من معصيتهم وزر . الثالث : يجوز أن يقال : إنه عليه الصلاة والسلام لما كان يرغبهم في القتال ويبالغ في تحريضهم عليه ، فكان بعض المنافقين يشفع إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم في أن يأذن لبعضهم في التخلف عن الغزو ، فنهى اللَّه عن مثل هذه الشفاعة وبين أن الشفاعة إنما تحسن إذا كانت وسيلة إلى إقامة طاعة اللَّه ، فأما إذا كانت وسيلة إلى معصيته كانت محرمة منكرة . الرابع : يجوز أن يكون بعض المؤمنين راغبا في الجهاد ، إلا أنه لم يجد أهبة الجهاد ، فصار غيره من المؤمنين شفيعا له إلى مؤمن آخر ليعينه على الجهاد ، فكانت هذه الشفاعة سعيا في إقامة الطاعة ، فرغب اللَّه تعالى في مثل هذه الشفاعة ، وعلى جميع الوجوه فالآية حسنة الاتصال بما قبلها . المسألة الثانية : الشفاعة مأخوذة من الشفع ، وهو أن يصير الإنسان نفسه شفعا لصاحب الحاجة حتى يجتمع معه على المسألة فيها . إذا عرفت هذا فنقول : في الشفاعة المذكورة في الآية وجوه : الأول : أن المراد منها تحريض النبي صلى اللَّه عليه وسلم إياهم على الجهاد ، وذلك لأنه إذا كان عليه الصلاة والسلام يأمرهم بالغزو فقد جعل نفسه شفعا لهم في تحصيل الأغراض المتعلقة بالجهاد ، وأيضا فالتحريض على الشيء عبارة عن الأمر به لا على سبيل التهديد ، بل على سبيل الرفق والتلطف ، وذلك يجري مجرى الشفاعة . الثاني : أن المراد منه ما ذكرنا من أن بعض المنافقين كان يشفع لمنافق آخر في أن يأذن له الرسول عليه الصلاة والسلام في التخلف عن الجهاد ، أو المراد به أن بعض المؤمنين كان يشفع لمؤمن آخر عند مؤمن ثالث في أن يحصل له ما يحتاج إليه من آلات الجهاد . الثالث : نقل الواحدي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما ما معناه أن الشفاعة الحسنة هاهنا هي أن يشفع إيمانه باللَّه بقتال الكفار ، والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالمحبة للكفار وترك إيذائهم . الرابع : قال مقاتل : الشفاعة / إلى اللَّه إنما تكون بالدعاء ، واحتج بما روى أبو الدرداء أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال الملك له ولك مثل ذلك » فهذا هو النصيب ، وأما الشفاعة السيئة فهي ما روي أن اليهود كانوا إذا دخلوا على الرسول صلى اللَّه عليه وسلم قالوا : السام عليكم ، والسام هو الموت ، فسمعت عائشة رضي اللَّه عنها فقالت عليكم السام واللعنة ، أتقولون هذا للرسول ! فقال صلى اللَّه عليه وسلم : قد علمت ما قالوا فقلت وعليكم ، فنزلت هذه الآية . الخامس : قال الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد : المراد هو الشفاعة التي بين الناس بعضهم لبعض ، فما يجوز في الدين أن يشفع فيه فهو شفاعة حسنة ، وما لا يجوز أن يشفع فيه فهو شفاعة سيئة ، ثم قال الحسن : من يشفع شفاعة حسنة كان له فيها أجر ، وإن لم يشفع ، لأن اللَّه تعالى يقول : مَنْ يَشْفَعْ ولم يقل : ومن يشفع ، ويتأيد هذا بقوله عليه الصلاة والسلام : « اشفعوا تؤجروا » . وأقول : هذه الشفاعة لا بد وأن يكون لها تعلق بالجهاد وإلا صارت الآية منقطعة عما قبلها ، وذلك التعلق